الشيخ محمد رشيد رضا
199
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بالدين كما قال الامام مالك لمن أراد الاحرام بالحج من المسجد النبوي وقد تقدم « * »
--> ( * ) إذا قيل : إن جمهور العلماء يجيزون الاحرام قبل المقات خلافا لهذه الرواية عن مالك ولقول البخاري في ترجمة ما رواه في تحديد المواقيت من صحيحه ( قلنا ) أولا هذا مثال لا يبحث فيه ، و - ثانيا - إن دليل الجمهور على هذا ضعيف ومعارض بقوله تعالى ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها ) وبالتزام النبي ( ص ) والصحابة الاحرام من الميقات ، وهذه شعائر لا يخفى تركها ان وقع ، فمن خالف فيها يصدق عليه آية ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) الخ ( راجع ص 192 ) وحديث عائشة في مسند أحمد وصحيح مسلم مرفوعا . « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد » وقد أنكر عثمان على من أحرم من خراسان ، فأما حديث أم سلمة في الاهلال من المسجد الأقصى وقد استدل به لقول الجمهور فهو لا يصح . وما روي في تفسير اتمام الحج والعمرة « أن تحرم من دويرة أهلك » فمعناه أن تنوي الحج منها كما يفسره ما روي عن ابن عباس وغيره من قوله « أن تحرم من دويرة أهلك لا تريد الا الحج والعمرة ، وتهل من الميقات ، ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة حتى إذا كنت قريبا من مكة قلت لو حججت أو اعتمرت ! وذلك يجزئ ولكن التمام أن تخرج له لا لغيره » ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره . وبهذا تتفق هذه الرواية مع تفسير الجمهور وظواهر النصوص والسنة العملية . والا لكان نسك النبي ( ص ) من حج وعمر ونسك أصحابه كلهم ناقصا . لأنه لم ينقل ان أحدا منهم لبس ثياب الاحرام من دويرة أهله بالمدينة أو غيرها ، ولو كان هذا هو المراد باتمام الحج والعمرة لما خالفوه الا قليلا لبيان الجواز كما هو شأنهم في سائر الأعمال ، وبهذا تعرف ضعف قول الشوكاني : وقول صاحب المنار « انه لو كان أفضل لما تركه جميع الصحابة » فكلام على غير قانون الاستدلال ، اه : ويقول صاحب المنار المتأخر في تأييد صاحب المنار المتقدم ، بل هو على أصح قوانين الاستدلال وهي الجزم بان النبي ( ص ) وأصحابه كانوا أكمل المؤمنين إيمانا واتمهم عبادة فلو صح ما ذكر وكان معناه ما ذكر لما تركوه الا قليلا كما ذكرنا ، ولو عملوا به لتوفرت الدواعي على نقله عنهم لأنه من الشعائر التي يشاهدها الجم الغفير